أحمد بن محمود السيواسي

206

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة هود ( 11 ) : آية 56 ] إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 56 ) ( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ) أي فوضت أمري إليه ، وصفه « 1 » ( رَبِّي وَرَبِّكُمْ ) أي خالقي وخالقكم ( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ ) أي ما حيوان يتحرك في الأرض إلا اللّه « 2 » ( آخِذٌ بِناصِيَتِها ) أي قادر ومالك يتصرف في كل دابة بالإحياء والإماتة وهو يرزقها في ملكه ، وذكر الناصية ليدل على أنه تعالى يقهر كل دابة بسهولة ، ويقال ناصية فلان بيد فلان إذا كان محكوما له بالمذلة ( إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [ 56 ] فهو يدعوكم إليه وهو دين الإسلام بارسالي إليكم فآمنوا به . [ سورة هود ( 11 ) : آية 57 ] فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 57 ) ( فَإِنْ تَوَلَّوْا ) أي فان تتولوا « 3 » ، يعني إن تعرضوا « 4 » عن الإيمان به ( فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ) أي فلا أعاتب بعد تبليغي إياكم ما أمرت به من الرسالة فلم يبق لي عذر بعده حتى ألام عليه ، وهذا التقدير يدفع قول من قال الإبلاغ كان قبل التولي ، فكيف وقع جزاء للشرط ، ثم قال مستأنفا ( وَيَسْتَخْلِفُ ) بالرفع ، أي يستبدل ( رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ) إن شاء ، يعني خيرا منكم وأطوع له تعالى ( وَلا تَضُرُّونَهُ ) أي لا تنقصون من ملكه ( شَيْئاً ) إن لم تؤمنوا ( إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ) [ 57 ] أي لا يغيب عنه شيء يحفظني ويجازي كلا بعمله « 5 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 58 ] وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ( 58 ) ( وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا ) أي عذابنا ( نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ) في الدنيا وهم كانوا أربعة آلاف من الذكور والإناث ( بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ ) في الآخرة ( مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) [ 58 ] أي شديد بسبب الإيمان كما نجيناهم من العذاب في الدنيا بسببه وهو الريح التي أهلك بها عادا ، قيل : « إن اللّه تعالى بعث عليهم ريح السموم وكانت تدخل في آذانهم وأنوفهم ويخرج « 6 » من أدبارهم فيقطعهم عضوا عضوا » « 7 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 59 ] وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 59 ) قوله ( وَتِلْكَ عادٌ ) إشارة إلى آثار قوم هود المهلكين في طريق الشام ، أي تلك الآثار آثار عاد يا أهل مكة ( جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ) أي علامات توحيده ( وَعَصَوْا رُسُلَهُ ) أي هودا وحده ، وذكره بلفظ الجمع ، لأن من كذب رسولا كان كمن كذب جميع الرسل ( وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) [ 59 ] أي معاند معرض عن الحق ، قيل : الجبار الذي يضرب ويقتل عند الغضب والعنيد الذي لا يقول الحق ولا يقبله من القائل وإن عرفه « 8 » ، المعنى : أنهم عملوا بقول المبطل وأعرضوا عن قول المحق ، هذا هو جرمهم . [ سورة هود ( 11 ) : آية 60 ] وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ( 60 ) قوله ( وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ) أي وألحقوا في الحياة الدنيا العذاب وهو الريح العقيم ( وَيَوْمَ الْقِيامَةِ ) أي وألحقوا في الآخرة لعنة أخرى وهي عذاب النار إلى الأبد ( أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ) تنبيه لكفار مكة على أنهم جحدوا نعمة ربهم وهي « 9 » دين الإسلام فأهلكوا بذلك ، ثم عقبه بتنبيه آخر بقوله ( أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ) [ 60 ] أي إلا سحقا وخزيا لهم من رحمة اللّه ، وهم قوم هود ، وهو عطف بيان بعد البيان كقوله « أَخاهُمْ هُوداً » « 10 » لقطع مادة الشبهة بوجه كلي ، لأنهم عاد الأولى والثانية عاد إرم وهم قوم صالح ، والبعد يستعمل بضد القرب ،

--> ( 1 ) وصفه ، ب س : - م . ( 2 ) أي ما حيوان يتحرك في الأرض إلا اللّه ، ب س : - م . ( 3 ) أي فان تتولوا ، ب س : - م . ( 4 ) أي إن أعرضتم ، م : يعني إن أعرضوا ، ب س . ( 5 ) بعمله ، ب م : بعلمه ، س . ( 6 ) ويخرج ، ب م : تخرج ، س . ( 7 ) نقله المؤلف عن الكشاف ، 3 / 44 . ( 8 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 2 / 131 . ( 9 ) وهي ، ب م : وهو ، س . ( 10 ) الأعراف ( 7 ) ، 65 ؛ وهود ( 11 ) ، 50 .